هل لكَ أن ترفعَ كفكَ معـي ؟!

2010/03/16

بياض الشاشة يشدني , يبعثر في داخلي حكايات وأحزانٍ قديمة , يثير فيني شغبَ الأغنيات الهادئة والكلمات الموجعة , الرسائل الناقصة وأمسيات الحنين الطويلة , رغبة جامحة داخلي لأعود وأمارس كًل هواياتي السابقة , لأعود وأتغطى بالكلمة , لأهرب بها ومعها بعيداً , ليصبحَ تفكيري معوجاً وتحت المنطقية , لكن تعويذة صغيرة تتردد في رأسي كلما أوشكت على ذلك , ولأمدٍ طويل وأنا لا أعرف لما تتردد , ولما أستمع إليها , لما أهرب من الموسيقى التي أحب , والهواء الذي أعرفه , سؤال عشوائي من صديقة , لم أعتد حتى على الحديث معها كثيراً , يخبرني بهدوء لماذا ؟


ترى لماذا أنا أبتعد ؟ لماذا أخاف وأهرب ؟ , أ لأنني لا أقوى على الرجوع ؟ أ لأنني لم أعد كما كنت ؟ لا , أنا لا أعود لأنكَ لستَ هناك , لأنني أخاف إني أعدتُ أن أتمسك بكَ حتى الموت وأخلف قلبي ورائي على غيمة ممطرة , أخافُ كثيراً أن لا تمد يدك , وأن لا تنظر إليّ , أخافُ أن تتمسك بي أكثر , أن تعود وتتخللني رغماً عني , أن تزرع قلبكَ بين ثنايا صدري , أن أعتادَ عليك كثيراً , أن أجعلكَ يدي , وقدمي , هوائي , وشرابي , بنات أفكاري وأذني , أن ألبسكَ كُلك , بكلِ عُقدك ولفائف عقلك , بلسانك المعوج الذي أستلذه كثيراً , ويدك التي لا تطولني , أنّ أشربكَ كنبيذٍ في ليلةٍ كاحلةِ السواد , لا شيء فيها إلا أسطوانة قديمة وقلبٍ معتقٍ بالحزن , وأخاف , أخافُ كثيراً جداً جداً ..أن أحبكَ كثيراً , كثيراً حتى لا أعود أعرف الكتابةَ عنك !

لستَ خرافة ولا خيال , لكنِ أودُ أن أحتفظَ بكَ كسر في داخلي , حكاية مجنونة ومغامرة قاتلة أحكيها لأحفادي يوماً ما , كاللحظة التي غيرت حياتي , كاللحظة التي جعلتني امرأة , اللحظة التي بها اكتشفت أني أغير كثيراً , وأنني لا أحب الرجال السيئين أبداً , أنني لا أعرف قلبي أبداً , وأنا عنيدة إلا من حديثك , أود أن أحتفظَ بكَ ككبسولة منشطة , أخذها كلما سقطتُ أرضاً , كالهيروين , أشمه كلما بكيت , كأغنية حزينة , أتلوها على مسامعي كل ليلة قبل النوم , أنتَ هكذا أجمل , هكذا أنقى وأروع , لا أريدُ أن أتلوثَ بك , ولا أن ألوث حكايتي الجميلة بي , أريدُ أن نكون هكذا , كخطين متوازيين , لسنا متلاقيان , ولا متباعدان , هكذا على الحداد من الحب , والحنين , والليل و ورق الخريف , لسنا شتاء ولا نميل للصيف , كـ كرسين مهجورة متقابلة في حديقةٍ عامة , يكسوها الثلج في الشتاء وتبتل بالمطر بالخريف , تتزين بالأخضر في الربيع و يتطاير طلائها في شمس الصيف , هكذا كأسئلتي التي اعتادت على قلمي , كتشبيهاتي الكثيرة التي لا تمل لساني , وأنا لا أحب الأسئلة و لا أفضل التشبيهات !

لا أملك جديداً , و أحلامي لا تزال على الرف , ذاكرتي لم تتحدث منذ أمدٍ بعيد , وفيلم الحكايات المملة يتكرر على رأسي كُل صباح , والأشياء فقدت معانيها , الكلمات صارت باهته , وأشيائي اعتلاها الغبار , ومكاني هو نفس المكان منذ أن غادرت , منذ أنَ غادرت وأنا لا أزال أكتب نفس الكلمات , وأحمل في حقيبتي ذات الكتاب , ذات الكتاب التي لازلت عالقة في منتصفه , وأخاف أن انتهي فأجد وجهك ينتظرني في الغلاف الخلفي , وأخاف أن لا أكملها فيرافقني و وجهك في وسادتي , حتى أحاديثي التي أعتدتُ أن أكتبها هنا , أعتدت أن أنهيها في جلسةٍ واحدة وبجرةِ قلمٍ وحيدة , صرت أحتاج للكثير من الأوكسجين والروح حتى أكملها , صرت أبحثُ عن مشهد درامي , أو أغنية تتصل أوعيتها بنقطةٍ خفية من ذاكرتي , حتى أجد ما أكمل به هذه الأجنة الناقصة , لا أدري , لما من كثر ما أكتب إليك لم أعد أعرف كيف أكتب لغيرك أو بعيداً عنك , ربما صرت مرآتي الصامتة , ربما أنا لم أتقبل بعد حقيقة أنك لستَ هنا أبداً , أبـداً !

بدأتُ هذا الحديث وأنا في خوض نهرِ ذكرياتك , وأنهيه في آخر منحنيات التعب , في أبعد نقطةٍ من الحياة , وفي أقرب نقطة من اللاشيء , أنهيه وأنا أقرأ رسالتك الأخير بابتسامة مشبعة بالدمع الذي لا ينزل , أتعلم ما أكثر الذي يضحكني في كُل هذا الأمر ؟! أني أعرف تماماً أني أنساقُ إلى الخطأ , أعلمُ تماماً أني أبتعدُ بقدمي عن كُل الأشياء التي أردتها , وأني تدريجياً أكبر لأصبحَ شيئاً لم أرده  شيئاً مفاجأً لم أتخيل يوماً أني سأكونه , والذي يضحكني أكثر , أني أنساقُ بسهولة بدون أي مقاومة , بدون أي خيبة أو حتى ندم , أنساق بسهولة حتى أني أعتدتُ على وجهي الأصفر في المرآة , وضحكتي العالية , وكلماتي الكثيرة , والحكايات المضحكة التي أستمتع بروايتها .

أعلمُ أن هناكَ خلل ما , عطبُ يتصاعد وشرخُ يكبر , أين , وكيف , لا أدري , ولا أعرف كيف أتعامل معه , وعلى الرغم من أنّ كُل الذي أحتاجه لأكتشف ليس بمستحيل , لكنِ لا أجده , بحثتُ عنه كثيراً بين الأزقة , بين الأوراق وبين الرؤوس , لكنِ لا أجده , وكلما تصاعد الأمر أكثر كلما ازددتُ يقيناً أني سأؤول إلا شيئاً لا أريده , وأملي الوحيد , رجائي الأخير , أن يساعدني الله ليرمم هذا القلب , وليعيد هذه الروح , وليتركني على الطريق التي يجب أن أكون عليها ..؛

هل يمكنك أن ترفع يدكَ وتدعي معي ؟!

Advertisement

One Response to “هل لكَ أن ترفعَ كفكَ معـي ؟!”

  1. A'shtar Says:

    “أحتفظ بك كسر في داخلي”
    هل يختار الإنسان أحياناً مكاناً ما في ذاكرته ويقرر المرابطة فيه، أم أن الأمر يحدث فجأة دون سابق تعمّد منه؟

    النص جميل.. حزين.. وفخم!


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.